ميرزا محمد حسن الآشتياني
6
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
بالنظر إلى أنفسها وهو بديهي البطلان مضافا إلى اتفاق كلمتهم عليه والاستشهاد باجتماع الواجب التوصّلي مع الحرام فإن أراد ذات الواجب فلا ينفع في المقام أصلا وإن أراد الواجب المتّصف بالوصف فيمتنع اجتماعه مع الحرام لأن الحيثيّة التوصّليّة إنما تفيد في سقوط الخطاب بفعل الحرام من حيث حصول الغرض به وارتفاع موضوع الخطاب معه لا في تعلّق الخطاب بالحرام كيف والضدّيّة بين الحكمين لا تعلّق له بالتّعبديّة والتوصّليّة ومن خالف في ذلك في ظاهر كلامه فلا بد من أن يصرف عنه أو يحكم بخطائه في القول لأن ما ذكرنا من الأمور الواضحة عند ذوي الأفهام المستقيمة هذه غاية ما قيل أو يقال في دفع الإشكال وقد عرفت عدم تماميّتها بأسرها وقد طال البحث بيني وبين شيخنا قدّس سرّه في مجلس المذاكرة في الإشكال المذكور في هذا المقام ومسألة اجتماع الأمر والنهي ولم يحصل لي من إفاداته ما يدفع به الإشكال عن نفسي وزعمت أنّه ممّا لا ذبّ عنه فلعلّك تهدى إلى وجه دفعه ولكني أسألك التأمّل في هذا المقام وعدم المسارعة فيه وأن لا تسلك سبيل طلبة عصرنا من الإيراد على كل ما يسمعونه من غير تأمّل في موضوع القضيّة ومحمولها وإلّا فالسهو والخطاء بمنزلة الطبيعة الثانية لغير الإنسان الكامل الذي عصمه اللّه منهما أو من يحذو حذوه من المعصومين ولقد صار من المثل كم ترك الأوّل للآخر مع أني معترف بقصور الباع في العلم فلعلّه اختفى عليّ جهات المسألة في الموضعين وممّا ذكرنا كله يظهر لك المراد من قوله قدس سره لا لعدم اتحاد الموضوع وقوله ألا ترى أنه لا معارضة ولا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الإباحة وبين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة وما يوجّه به ( ثمّ ) إنّك قد عرفت مما ذكرنا كلّه أنّ تقابل الشكّ والظّن وإن اقتضى كون المراد بالشك ما يقوم بالاحتمالين المتساويين إلا أن المراد به في مجاري الأصول ليس خصوص ذلك يقينا ومن هنا قال قدّس سرّه ثم إنّ الظّن المعتبر حكمه حكم الشك بمعنى أن الموضوع في دليل الأصل ما يعمّهما وينطبق عليهما من غير فرق [ الكلام في أقسام الأصل والدليل وبيان النّسبة بينهما وأنّهما وارد أو حاكم والآخر بورود ومحكوم ] ( قوله ) قدّس سرّه وممّا ذكرنا من تأخّر مرتبة الحكم الظاهري ( 1 ) ( أقول ) توضيح القول في النّسبة بين الأصل والدليل وأنّها من التعارض أو غيره يحتاج إلى بسط في المقال وإن كان محلّ ذكره مسألة تعارض الأدلة إلّا أن تعرّض شيخنا لها في المقام ألجأني إلى التكلّم فيها فنقول بعون اللّه وتوفيقه ودلالة أوليائه صلوات اللّه عليهم أجمعين الدليل المقابل للأصل إمّا أن يكون علميّا أو ظنيّا منوطا بوصفه أو نوعه مطلقا أو مقيّدا وكذا الأصل المقابل له إما أن يكون من الأصول الشرعية المحضة كالاستصحاب أو العقلية كذلك كأصل التخيير في دوران الأمر بين الوجوب والتحريم أو من الأصول الشرعيّة والعقليّة بمعنى وجود الجهتين له كأصل البراءة وأصل الاحتياط بناء على عدم إناطة حكم الشارع بهما بما هو المناط في حكم العقل بهما بأن يكون ما ورد فيهما في الشرعيّات مؤكّدا محضا لحكم العقل بهما فإن حكم العقل بالبراءة منوط بقبح العقاب من دون وصول بيان من الشارع إلى المكلّف ولو بالطريق الظنيّة المعتبرة بل بأصل من الأصول الشرعيّة على ما ستقف على تفصيل القول فيه وحكم الشارع بالإباحة الظاهريّة يمكن أن يكون مترتبا على عدم العلم بالحرمة الواقعيّة كما هو المستظهر من أخبارها على ما ستقف عليه وكذلك حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارده مبنيّ على احتمال العقاب وأما حكم الشارع به فيمكن أن يكون منوطا على الجهل بالواقع كما ربما يدّعى ظهوره من أخباره بل ادّعى ذلك حسبما يقع الكلام فيه في محلّه إن شاء الله تعالى فإن كان الدليل المقابل عليهما ومفيدا للعلم بالحكم الواقعي فلا إشكال في وروده على الأصل وارتفاع موضوعه به حسّا وحقيقة من غير فرق بين أقسام الأصل ضرورة اشتراطه مطلقا بعدم العلم بالخلاف بل بعدم العلم مطلقا سواء كان موافقا للأصل أو مخالفا له كما هو ظاهر لا سترة فيه أصلا وإن كان ظنّا معتبرا فإن كان الأصل المقابل أصلا عقليا محضا أو كان له جهة عقليّة فلا إشكال في وروده عليه أيضا ورفع موضوعه به ضرورة ارتفاع التسوية التي أنيط به التخيير العقلي بالظن المعتبر وارتفاع احتمال العقاب الذي أنيط به وجوب الاحتياط في حكم العقل به أيضا وتحقّق البيان المعتبر عدمه في حكم العقل بالبراءة بالظنّ المعتبر وهذا هو المراد بقوله قدس سره وأمّا الأدلة العقلية القائمة على البراءة والاشتغال فارتفاع موضوعها بعد ورود الأدلّة الظنّية واضح إلى آخر ما أفاده وإن كان أصلا شرعيّا كالاستصحاب بناء على القول به من باب التعبّد والأخبار وأمّا على القول باعتباره من باب الظني فيخرج من الأصول كالتخيير الشرعي بين المتعادلين فإنه لا دخل له بالأصل أيضا وإن كان مدركه الأخبار على ما عرفت الكلام فيه في الجزء الأوّل من التعليقة وإليه أشار بقوله بعد ذلك وأما التخيير فهو أصل عقلي لا غير ومنه يظهر فساد إيراد من لا خبرة له عليه أو كان له جهة شرعية كالبراءة والاحتياط ففيه وجوه بل أقوال أحدها كون الدليل واردا عليه أيضا ورافعا لموضوعه كما يظهر من كلمات جماعة من المتأخرين نظرا إلى أن المراد من عدم العلم بالحكم المأخوذ في موضوع الأصول هو عدم العلم به واقعا وظاهرا إلى كونه غير معلوم مطلقا بحسب الجعل الأوّلي والثانوي